Strict Standards: Only variables should be passed by reference in /home/mesta963/public_html/ecrire/public/composer.php(49) : eval()'d code on line 1079
الشيخ إبراهيم الرياحي نموذج للعالم العامل - [الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم]
الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

الشيخ إبراهيم الرياحي نموذج للعالم العامل

1180-1266هـ/1767-1850م
السبت 28 شباط (فبراير) 2009 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

كلما سافرت إلى بلدان غرب إفريقيا أو التقيت ببعض أبناء تلك الربوع من بلدان جنوب الصحراء التي تمتد إلى نيجيريا وما وراءها في مؤتمر من المؤتمرات أو ندوة من الندوات إلا وسئلت عن سيدي إبراهيم الرياحي وآثاره العلمية وزاويته العريقة في تونس المدينة والتي لا تزال بفضل الله عامرة بصالح الأعمال من الباقيات الصالحات في سائر الأيام وبالخصوص أماسي الجمعة اثر صلاة العصر حيث ينعقد ذلك المجلس المبارك الذي تغشاه السكينة وتحفه الملائكة ويذكر الله مرتاديه في الملإ الأعلى.

معلم من معالم تونس العريقة التي ظلت إلى سنوات قريبة مقصد علماء تونس الأعلام وشيوخها الكبار حيث يجلسون في تواضع جمّ ورغبة صادقة خالصة للتزود بخير زاد عملا بالحديث الشريف الذي يقول فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذكر)، فكان هؤلاء العلماء الأعلام الأسوة لمن حولهم من عامة المسلمين كي ينسجوا على منوالهم متخذين جميعا من سيدي إبراهيم الرياحي المثل والقدوة، وكيف لا وهو العالم الذي شهد له من عاصره وعاشره وكذلك من تتلمذوا عليه واطلعوا على ما خطه قلمه وما تركه من بعده من آثار علمية تدل على رسوخ قدمه في علوم الوسائل والمقاصد التي جد في تحصيلها وتلقيها عن علماء عصره من شيوخ جامع الزيتونة المعمور أولئك الذين اتصل بهم سند هذه الربوع في كل مجالات فروع الثقافة العربية الإسلامية:

في اللغة وعلومها وفي الشريعة بدقائق اختصاصها: من علوم قرآن وسنة وفقه وأصول وتفسير لكتاب الله العزيز وشرح لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فكانوا أعلاما لا يشق لهم غبار تعتز بهم الزيتونة وتعتز بهم تونس وأهلها رحمهم الله وأجزل مثوبتهم.

تخرج الشيخ إبراهيم الرياحي على أيدي العلماء الأعلام من أمثال المشائخ: صالح الكواش ومحمد الفاسي وعمر المحجوب وحسن الشريف وإسماعيل التميمي وغيرهم كثير ممن لا يتسع المجال لمجرد ذكرهم وتعدادهم.

وأجاز هؤلاء العلماء الأعلام الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي فاخذ مكانه عن جدارة واستحقاق ولم يلبث أن برز وترقى في سلم المعارف والمعالي درجة بعد درجة حتى تسنم أعلى الرتب واجتمع فيه وله ما تفرق لدى غيره فإذا به رحمه الله يجمع بين الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة ورئاسة الفتوى وهو ما لم يجتمع لأحد قبله.

تولى التدريس في جامع الزيتونة والجوامع المحيطة به مثل جامع صاحب الطابع حيث عين فيه مدرسا وشيخا للمدرسة التابعة له.

واعتنى الشيخ إبراهيم الرياحي بتدريس تفسير البيضاوي وشرح القسطلاني على صحيح البخاري ومختصر خليل في الفقه المالكي واقبل على دروسه العدد الكبير من طلبة العلم لما وجدوا فيها من العلم الغزير والمنهج القويم.

ولم يقتصر الشيخ إبراهيم الرياحي على التدريس بل أضاف إلى ذلك التأليف في شتى الفنون فترك من بعده الفتاوى العلمية المحررة والخطب الجمعية المنمقة وعديد الرسائل المفيدة وله حواش كتبها في النحو والعروض كما انه حرر ردودا قيمة على من اعترضوا على شيخه الولي الصالح سيدي احمد التيجاني.

كما كان من العلماء الذين انبروا للرد على رسالة محمد بن عبد الوهاب التي وجهها إلى بأي تونس والتي أحالها بدوره إلى شيوخ جامعة الزيتونة لتكون الإجابة التونسية علمية موضوعية وهذا ما تم بالفعل عن طريق الشيخ عمر المحجوب والشيخ اسماعيل التميمي والشيخ إبراهيم الرياحي رحمهم الله.

وللشيخ إبراهيم الرياحي ديوان شعر تولى تحقيقه وإخراجه كل من الأستاذ محمد اليعلاوي والأستاذ حمادي الساحلي رحمه الله وهو أول من سن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بسرد قصة حررها لمولد سيد الكائنات عليه الصلاة والسلام.

وهو أول من انتمى إلى الطريقة التيجانية في تونس فقد تلقاها من الشيخ علي حرازم تلميذ سيدي احمد التيجاني عند زيارته إلى تونس وقد كان الشيخ إبراهيم الرياحي شاذليا مريدا للولي الشيخ البشير الزواوي المشيشي وذلك بعد أن استأذنه في ذلك وأذن له. وعندما زار الشيخ إبراهيم الرياحي المغرب في سفارة كلفه بها بأي تونس لدى سلطان المغرب طالبا المعونة لأهل تونس على تجاوز صعوبات معاشية التقى في هذه الزيارة قبل لقائه لسلطان المغرب بالشيخ سيدي احمد التيجاني واخذ عليه العهد مباشرة وقد أجازه في اخذ العهد والتربية واجتمع بذلك لسيدي إبراهيم الرياحي علما الشريعة والحقيقة، وحرص الشيخ على تجديد العهد بخليفة سيدي احمد التيجاني فسافر إلى لقاء الشيخ علي التماسيني في بلاد تماسين جنوب غربي الجزائر وبذلك يكون الشيخ قد شدّ الرحال إلى معقلي الطريقة التيجانية في كل من الجزائر بتماسين والمغرب بفاس حيث الزاوية التيجانية الكبرى التي دفن فيها سيدي احمد التيجاني ويشد إليها التيجانية الرحال إلى يوم الناس هذا وهم الذين يتجاوز عددهم الثلاثمائة وخمسين مليونا ينتشرون في كل القارات في إفريقيا التي دخلت اغلب شعوبها في إفريقيا الغربية الإسلام على أيدي الشيوخ والتجار والرحالة التيجانية وفي آسيا حيث يبلغ عدد أتباع الطريقة التيجانية أكثر من عشرين مليونا، وفي أوروبا والأمريكيتين سواء من هاجروا إلى تلك القارات بمختلف بلدانها أو من اعتنق من أبنائها الإسلام وهم بعشرات الآلاف ومن مختلف الفئات والذين يستعملون اليوم احدث الوسائل السمعية والبصرية في نشر أصول ومبادئ الطريقة التيجانية والتي مثلها مثل الطرق الحقيقية تلتزم شديد الالتزام بالكتاب والسنّة وتحرص على الوقوف في وجه كل مظاهر البدع والشعوذة


وتركز عملها على ربط المسلم بربه بواسطة الذكر الذي هو سفينة النجاة ( فاذكروني أذكركم ) جاعلة لب هذا الذكر الصلاة على الحبيب المحبوب في امتثال صادق للأمر الإلهي للمؤمنين ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) فكانت الصيغ المتعارفة المأثورة هي المنطلق في الصلاة على رسول الله والتقرب إلى الله بحبه والتعبير بكل وسيلة عن التعلق برسول الله عليه الصلاة والسلام ( والمرء مع من أحب ).

وأضاف العارفون بالله إلى الصيغ المأثورة ( الصلاة الإبراهيمية والصلاة الأمية ) صلوات أخرى منها تلك التي تقبلتها الأمة الإسلامية في المشارق والمغارب وبالخصوص في الربوع التونسية وتناقلها الأصاغر عن الأكابر والأبناء والبنات عن الآباء والأمهات والعامة عن العلماء الأعلام من الشيوخ الفطاحل في إقرار فعلي وعملي لها اعني بها الصلاة الفاتحية ( اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم ) وهي صلاة كما يرى القارئ بعيدة كل البعد عن أي شرك أو مس لعقيدة التوحيد التي لا ينفك المرددون لهذه الصيغة ينطقون بها مقرين بان لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله. إن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام هو من ختم الله به ما سبق من الرسالات وهو عليه الصلاة والسلام من نصر به الحق بالحق وهو عليه الصلاة والسلام الهادي إلى صراط الله المستقيم وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار صلاة توافي وتكافئ قدره العظيم عند ربه الذي اصطفاه واجتباه وجعل في قلوب المؤمنين حبا له تذوقوا به حلاوة الإيمان.

هذه الصيغة يواظب عليها أتباع الطريقة التيجانية ويواظب عليها معهم كل المسلمين إلا من يأبون ولهم ذلك ونسال الله إن يشرح صدورهم للصلاة الفاتحية ولغيرها من الصلوات على خير البرية التي تفنن وبرع في صياغتها كبار العلماء والصلحاء والتي نذكر منها الصلاة المشيشية ( نسبة إلى سيدي عبد السلام بن مشيش ) ودلائل الخيرات للإمام الجزولي والصلاة الهاروشية للشيخ الهاروشي وغيرها كثير.

ولم يتأخر سيدي إبراهيم الرياحي عن أن يدلي بدلوه في هذا المجال فصاغ قلمه صلاه سماها: النرجسية العنبرية في الصلاة على خير البرية وهي صلاة بليغة دقيقة مليئة بالمعاني الروحية المعبرة عن الدرجة الرفيعة العلية التي وصل إليها سيدي إبراهيم الرياحي في مجال الذوق ولولا ضيق المجال لأوردتها كاملة تعميما للاستفادة منها والتعرف على قيمتها العلمية الدينية ( العقدية والسلوكية ) ودرجتها البلاغية المتميزة، اقرأ معي منها قوله ( اللهم وأسألك يا قريب يا قيوم يا قدير بما تعلمه من جلالك وجمالك وكمالك وشأنك كله إن تصلي على محبوبك الأول ومحبك الأكمل الذي اصطفيته لفتح أقفال جودك واجتبيته لوضع أسرار وجودك صلاة جمالية انبساطية تشعشع في قلوبنا وأرواحنا وأنفاسنا أنوارها وتمتزج بلكيتنا وأسرارنا أسرارها وتنتشلنا من الأوحال إلى الكمال حقائقها وتجذب لطائفنا إلى الاستغراق في ذلك الجمال رقائقها حتى ننصبغ بالفناء في أحدية وجوده ونستقر خالدين في جنة شهوده الذي لا ظمأ بعد وروده لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا...) تلك أيها القارئ فقرة قصيرة ولكنها معبرة عن الدرجة العالية علوا كاملا للصلاة النرجسية العنبرية.

وليس هذا بالغريب أو العجيب من سيدي إبراهيم الرياحي العالم العامل والولي الصالح والسالك لطريق الفلاح والنجاح والذي بلغ فيه مبتغاه حيث فتح الله عليه فتح العارفين بالله وجعل له لدى الجميع القبول والحب الشديد وهو قبول كان سبب الاختيار عليه لكي يكون سفير الدولة التونسية لدى سلطان المغرب ولدى الباب العالي في دار الخلافة العثمانية بإسطمبول حيث حظي الشيخ إبراهيم الرياحي رحمه الله بالاحترام والتبجيل ونزلت قصائده التي نظمها في هاتين السفارتين الإعجاب الكبير، فقد كان مطلع قصيدته التي ألقاها بين يدي السلطان مولاي سليمان:

إن عز من خير الأنام مزار *** فلنا بزورة نجله استبشار

وهو طالع جميل جاءت من بعده الأبيات الموالية في نفس النسق البديع الذي اخذ بلب السلطان وجعله يكرم وفادة سيدي إبراهيم الرياحي ويجيبه بكرم فيما أرسل في طلبه.

وتكرر تكليف سيدي إبراهيم الرياحي بسفارة ثانية وكانت هذه المرة لدى السلطان العثماني في طلب إعفاء البلاد التونسية من ضريبة كانت مطالبة بها ونجح سيدي إبراهيم الرياحي في هذه السفارة الثانية وكان شعره الملهم هو رسوله الذي يستفتح به في قضاء حاجته وكان مطلع هذا القصيد قوله:

العز بالله للسلطان محمود *** ابن السلاطين محمود فمحمود

وإذا كان لابد من خاتمة لهذه الصحبة من وراء الزمن لسيدي إبراهيم الرياحي تذكيرا بفضله وعلمه وصلاحه وما آتاه الله من نجاح منقطع النظير جعل منه نسيج وحده ومفخرة وطنه والزيتونة التي خرجته إذا كان لابد من خاتمة فلا يمكن إن تكون أجمل وأروع مما خاطب به سيدي إبراهيم الرياحي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في روضته الشريفة حيث قال:

إليك رسول الله جئت من البعد *** أبثك ما بالقلب من ألم الوقد

إلى إن يقول:

إلا يا رسول الله ضيفك سائل *** وهل ضيف أصل الجود يكرم بالطرد؟

رحم الله سيدي إبراهيم الرياحي يوم ولد ورحم الله سيدي إبراهيم الرياحي يوم مات، ورحم الله سيدي إبراهيم الرياحي يوم يبعث حيا.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 1424859

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المكتبـة  متابعة نشاط الموقع أعـــلام و معالــم   ?

Creative Commons License