لك فضل يا مكة على المدائن... (*)

لك فضل يا مكة على المدائن... (*)


في طريق العودة من حج بيت الله الحرام لعام 1420هـ وقعت يداي على قصيد رائع للشاعر السعودي محمد حسن فقي كان بالنسبة لي تتويجا لهذه الرحلة الروحية التي مرت أيامها كلمح البصر وفي أحسن الظروف وأكملها، لقد كانت أيام انقطاع للتعبد بالصلوات والأذكار والتلاوة لكتاب الله العزيز سواء كان ذلك في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام أو في عرفات ومنى. ومما يسر لي هذه المتعة الروحية ما تهيأ لي من سكن مريح على مقربة أمتار معدودة من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المسجد الحرام حيث اطل من نافذة غرفتي على الساعين بين الصفا والمروة أو المصلين الذين اتصلت صفوفهم لتصبح كل المحلات المجاورة للحرم أماكن تتصل فيها وبها صفوف المصلين خلف أئمة الحرم المكي في الصلوات الخمس. * ومكة المكرمة التي تغنى بها في هذا القصيد الأستاذ الشاعر محمد حسن فقي لها خصائص ففي مكة أول بيت وضع للناس قال الله تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) وقد ألفت في فضيلة مكة المكرمة وبيت الله الحرام كتب عديدة قديما وحديثا من ذلك ما خصصه العلامة محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي بدر الدين (المتوفى سنة 794هـ) في كتابه إعلام الساجد بأحكام المساجد للمسجد الحرام حيث جمع فيه فضائل البيت العتيق وأحكام المسجد الحرام ومكة المكرمة من ذلك وجوب قصدها للحج والعمرة وأن الله أوجب استقبالها في الصلاة حيثما كنا وان الله حرمها يوم خلق السموات والأرض وانه سبحانه وتعالى بوأها لإبراهيم وابنه إسماعيل وجعلها مولدا لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وان الله جعلها حرما آمنا في الجاهلية والإسلام وانه لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوبا أو ندبا. وأن البيت المعمور الذي اقسم به الله تبارك وتعالى معمور بمن يطوف به وأنه بواد غير ذي زرع والأرزاق تجلب إليه من كل قطر وانه لا يدخله احد إلا متواضعا خاشعا متذللا مكشوف الرأس متجردا عن لباس الدنيا بخلاف غيره من البقاع. وأنه سبحانه وتعالى اقسم به في موضعين من كتابه العزيز حيث قال جل من قائل (وهذا البلد الأمين) وقال (لا اقسم بهذا البلد) وأنه سبحانه وتعالى أضاف البيت إليه حيث قال جل من قائل وطهر بيتي للطائفين) وان الله تبارك وتعالى عطف القلوب إليه دون غيره من البلاد. وان أهلها لهم أهل الله، وأنها خصصت بالمشاعر كما خصها بالحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، كما خصها الله بماء زمزم الذي هو سيد الماء وفيها مقام إبراهيم كما أن رؤية الكعبة في المنام حق. كل هذه الخصائص وغيرها مما لا يتسع المجال للإتيان عليه تجعل لمكة في نفوس المؤمنين منزلة لا يصل إليها أي مكان آخر لأجل ذلك تحن لها قلوب المؤمنين ويشتد شوقهم إلى زيارتها وشد الرحال إليها سواء كان ذلك للحج أو للعمرة. فالصلاة في المسجد الحرام هي بمائة ألف صلاة في ما سواه وكذلك كل الطاعات والقربات فإنها تتضاعف مثلما أن مجرد الهم بالمعصية في مكة يعاقب عليه (من يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب اليم). وتزخر المكتبات الخاصة والعامة بعشرات بل مئات بل آلاف الكتب المطبوعة والمخطوطة المتضمنة لكل ما يتعلق بمكة المكرمة والكعبة المشرفة والأحكام الفقهية والشرعية الخاصة بهما ومنها كتب الرحلات ودواوين الشعراء قديما وحديثا والتي منها القصيد الذي أردت أن أشرك في التمتع بما فيه من تصوير رائع لمشاعر المؤمن نحو مكة المكرمة القارئ الكريم. وهذا نص القصيد: مكتي أنت لا جلال على الأرض يدانى جلالها أو يفوق ما تبالين بالرشاقة والسحر فمعناك ساحر ورشيق سجدت عنده المعاني... فما ثم جليل سواه... أو مرموق ومشى الخلد في ركابك مختالا يمد الجديد منه العتيق أنت عندي معشوقة. ليس يخزي العشق منه ولا يضل العشيق ما أباهي بالحسنى فيك على كثرة ما فيك من مغان تشوق أنت قدس فليس للهيكل الفاني بقاء كمثله وسموق كل حسن يبلى وحسنك يا مكة رغم البلى الفتى العريق درج المصطفى عليك فأغلاك.. وأغلاك بعده الصديق وشكول من الرجال، سبوق جد من خلفه فجلى سبوق إن أرادوا القتال أرجفت الأرض وضاقت على العدو الطريق أو أرادوا السلام رحب بالسلم عدو أصابه التمزيق كان في الله حربهم والعداوات.. وفي الله سلمهم والوثوق رب صخر في بطن واديك يا مكة يهفو إليه غصن وريق لست وحدي متيما فالملايين فريق يمضي فيأتي فريق تتوالى عليك منهم صبابات فيصغي لها الفؤاد الرقيق ليس فيك الدلال يوحي به الزهو. ويغري به الجمال الطليق لم تزهين؟ رب زهو من الحسن.. تجلى به علينا العقوق وعتي من الجمال تحدّاده.. أسير.. بحبه موثوق إن حسنا يكبل العقل والروح لحسن وإن أنال حنيق قد تركت البريق للبلد الخامل ماذا يجدي عليك البريق؟ وتمخضت عن فخار طوى الأرض وما أجدبت عليك العروق أين منه الكلدان. يا مكة الخير-وأين الرومان والإغريق؟ والبلاد التي تتيه، أجاءت بالذي جئت؟ أم هو التلفيق؟ ما يقيم الولود تخصب للناس.. مكان العقيم إلا الصفيق إن غمطنا الحقوق يا بلد الطهر-خسرنا وأنكرتنا الحقوق إن جرحا يصيبنا من تجافيك-وما تفعلين-جرح عميق قد شربنا من السلافة فتيانا ونحن الكهول ما نستفيق ذاقها قبلنا الكرام فقالوا أين منها ومن شذاها الرحيق؟ نجد الأنس في رحابك والبسطة حتى كأننا ما نفيق ويشد القلوب نحوك. يا مكة-حب يطوي القلوب وثيق ما نطيق الفراق عنك وهل يحمل قلب في الحب ما لا يطيق لك فضل على المدائن-يا مكة- ما يحتويه إلا المروق أين منه فضل المدائن يخلبن؟ وأين الإغراء والتشويق؟ أين منه الغدير والروض والعزف وأين الطلاء والتزويق؟ إنما الحسن في النفوس، فما يعشق ثوبا من الخيوط المشوق أترانا من الثرى فإذا الروح غريب، والحسن جسم مشيق؟ لقت بالتراب أجسامنا الغلف، فأهوى إلى اللصيق اللصيق يا نفوسا تطوف بالبيت، لولا حرمة البيت ميزتها الفروق أنت لولا الإسلام، كما نرى السابق منا يفوقه المسبوق ما تأنقت في المقال-ففي سحرك معنى-يعي المقال أنيق واللسان الذليق يعجز أحيانا إذ احصر اللسان الذليق هذا هو القصيد الذي نظمه الشاعر السعودي الكبير محمد حسن فقي تغنى فيه بمكة المكرمة وبيت الله الحرام زاده الله تعظيما وتشريفا. وهذا القصيد هو أجمل تعبير لما يعتري المؤمن عندما تطأ قدماه أرض مكة المكرمة وترى عيناه الكعبة المشرفة. في هذا القصيد وفي ما هو على غراره من غرر القصائد قديما وحديثا من التعبير عن المعاني الروحية ما لا حدّ له وعلى هذه المعاني يودع الحاج والمعتمر الكعبة في طواف الوداع الذي يحرص على أن يكون آخر ما يقوم به قبل عودته إلى بلاده. نسأل الله تبارك وتعالى إن لا يحرمنا من زيارات وزيارات إلى مكة المكرمة والكعبة المشرفة انه سبحانه وتعالى سميع مجيب. (*) شعر محمد حسن فقي

الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.