في الجنوب الجزائري: هناك في ادرار وما حولها تعليم شرعي متين يتصل به السند العلمي

في الجنوب الجزائري: هناك في ادرار وما حولها تعليم شرعي متين يتصل به السند العلمي


كانت آخر رحلة قمت بها إلى البلد الشقيق الجزائر تلك التي قصدت فيها بشوق كبير مدينة ادرار الواقعة في قلب الصحراء الجزائرية والتي تبعد حوالي ألف وثمانمائة كيلومتر جنوب الجزائرالعاصمة، لقد برمجت هذه الزيارة وقصدت هذه المدينة التي عم إشعاعها العلمي والقرآني كل أرجاء القطر الجزائري بل تجاوزها إلى البلدان المجاورة القريبة والبعيدة أيضا حيث باشر خريحو معاهد وزوايا مدينة أدرار وما حولها التعليم والتدريس والإمامة والوعظ والإرشاد في مناطق قاصية من البلاد الإسلامية هناك في بلاد أندونيسيا والملاوي وفي المساجد والمصليات حيث الجاليات المسلمة في البلدان الأوروبية. وإذا كانت بعض البلدان العربية والإسلامية ارتبط ذكرها بجوامعها وجامعاتها العريقة مثل الزيتونة والقرويين والأزهر فإن الجزائر في العصر الحديث اقترنت العلوم الشرعية والعربية فيها بأدرار وما حولها من المدن والقرى الصحراوية الممتد التواصل بينها من الجنوب الغربي الجزائري إلى الجنوب الشرقي الجزائري هناك في تيميمون وغرداية وورقلة وتماسين و الواد قريبا من الحدود الغربية للبلاد التونسية حيث الجريد بحاضرتيه العلميتين الدينيتين الروحيتين توزر ونفطة فلقد كان بين الجنوبين التونسي والجزائري الكثير من الأخذ والعطاء والتواصل القوي الذي لم يعترف في يوم من الأيام بالحدود الجغرافية. رغبة مني صادقة خالصة لا تشوبها أية شائبة شددت الرحال إلى أدرار حيث نزلت بي الطائرة صحبة الصديق عبد العزيز الطالبي بمطار أدرار حوالي منتصف الليل وأول ما لفت انتباهي و زاد من إعجابي مما اعتبرته لمسة وفاء واعتراف بالجميل حين قرأت وسمعت أن مطار أدرار يحمل اسم العلامة محمد بلكبير رحمه الله وشعب الجزائر الكريم مجبول على هذا الخلق الكريم إذ لا تفتر ألسنة الجزائريين عن شكر المحسنين وهم يحفظون لتونس وشعبها استقبالهما لمئات وآلاف الطلاب للدراسة بجامع الزيتونة ويحفظون لشيوخ الزيتونة وعلى رأسهم سماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله أنه من فتح للزيتونة فرعين في قسنطينة وعنابة ويحفظون لتونس وشعبها الدعم و المساندة الصادقة واللامشروطة لجهاد الشعب الجزائري إبان الحركة التحريرية ويقفون إجلالا وإكبارا لشهداء الساقية ويترحمون عليهم على المنابر في خطب الجمعة كلما حلت ذكرى ذلك العدوان في كل عام ويحفظ الشعب الجزائري لتونس وشعبها أنها كانت الملاذ في سنوات الجمر في عشرية الإرهاب حيث ظلت في كل عام العائلات الجزائرية تلتقي على أرض تونس في أمان واطمئنان وكرم وترحاب. *كان في الاستقبال في مطار الشيخ محمد بلكبير الشيخ الحاج بركة شيخ الزاوية البكرية الذي اصطحبنا إلى مقر الإقامة وكان الترحاب تلقائيا حارا صادقا عبرت عنه الحركات والقسمات والكلمات ومن يمن الطالع أن تقترن ليلة الوصول ببرنامج سنوي وسنة حميدة تقيمها الزاوية البكرية التي تمتد على مساحة كبيرة جدا تترامى فيها واحات النخيل وهي عبارة عن وقف أوقفه الشيخ المؤسس رحمه الله حيث لا تباع ولا تشترى وإنما تستفيد منها الأجيال المتعاقبة من أهل الزاوية ومن يأتيها زائرا أو قاصدا حفظ القرآن وتحصيل العلوم الشرعية على عقيدة أهل السنة الأشعرية ومذهب السادة المالكية بخصوصياته القيروانية المغاربية، ففي كل عام وفي الثالث والعشرين من شهر ماي يتنادى السادة البكرية وتتجاوب معهم بقية الزوايا من أرجاء القطر الجزائري للقيام بسلكة قرآنية في الجامع العتيق وهي عبارة عن قراءة جماعية للقرآن الكريم من أوله وآخره تبدأ على إثر صلاة العصر لتختتم على إثر صلاة الصبح في اليوم الموالي لا تنقطع هذه القراءة إلا لتجديد وضوء أو إقامة صلاة مفروضة أو تناول الأطعمة والمشروبات التي تتنافس العائلات في تقديمها احتفاء بالقرآن وتكريما لأهله ورجاء للأجر والثواب. *كان حضور هذه السلكة القرآنية بالنسبة إلي اكتشافا ومما اشتد له عجبي أن المشاركين في هذه القراءة الجماعية أنني لم أر واحدا منهم ممسكا بمصحف، فالكل يقرأون من حفظهم على كثرة عددهم ، انهم عشرات إن لم أقل مئات.كانت ليلة مشرقة منورة بالقرآن وأما صبيحتها فكانت بحق شبيهة بيوم العيد فالجميع في ثياب بيضاء يتبادلون التهاني والدعوات بالقبول لهذا العمل الصالح الخالص. كانت بقية هذه الزيارة بعد التشرف بحضور هذه السلكة القرآنية يتمثل في القيام بزيارات لعدد من الزوايا القرآنية وكانت البداية بزاوية الشيخ العلامة محمد بلكبير رحمه الله هذا العالم الذي تخرج على يديه المئات من أبناء الجزائر والبلدان المجاورة حفاظا للقرآن الكريم متبحرين في العلوم الشرعية على مذهب السادة المالكية يحفظون عن ظهر قلب أمهات كتب المذهب مثل مختصر خليل ورسالة ابن زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير فضلا عن متون العقيدة والفقه والأصول ومصطلح الحديث ومختلف علوم اللغة، علماء أعلام اتصل بهم السند العلمي و لا يزال، فالشيخ محمد بلكبير رحمه الله انتقل إلى جوار ربه سنة 2000 وتلاميذه وزملاؤه من شيوخ العلم لا يزالون يواصلون رسالتهم العلمية يلتف حولهم ويأتيهم من مناطق نائية طلبة العلوم الشرعية على الطريقة العتيقة في تفرغ تام وكامل لما جاؤوا من أجله لينتشروا بعد ذلك في كل ربوع الجزائر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا حيثما حلوا تركوا الأثر الحسن. *وفي الزاوية البكرية و زاوية تميمون و زاوية الشيخ الحسن فضلا عن زاوية الشيخ محمد بلكبير رحمه الله وصولا إلى مساجد ومدارس ورقلة، تعليم شرعي أصيل ومتين يذكر بالزيتونة وفروعها في مختلف أنحاء البلاد التونسية. *لقد زرت الجزائر مرات عديدة سواء كان ذلك في سنوات السبعينات و الثمانينات مشاركا في ملتقيات الفكر الإسلامي التي ظلت تدعوني لحضورها وزارة الشؤون الدينية في عهود وزرائها الأفاضل مولود قاسم رحمه الله وبوعلام باقي وسعيد شيبان وعبد الرحمان شيبان رحمه الله وتعرفت خلال تلك الفترة على مختلف مناطق ومدن الجزائر وارتبطت بعلاقات أخوة وصداقة مع نخبة الجزائر. *وزرت الجزائر بعد سنوات المحنة التي خرج منها الشعب الجزائري والحمد لله وهو أشد قوة وتماسكا وإصرارا على مواجهة التطرف و الإرهاب وكانت هذه الزيارات الأخيرة في إطار المشاركة في الدورة الناجحة بكل المقاييس لمجمع الفقه الإسلامي الدولي وذلك بمناسبة الاحتفال بتلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية والمساهمة في ندوة عن الوسطية والاعتدال بدعوة من الأستاذ كمال بلعسل مدير إدارة الشؤون الدينية بولاية ورقلة، ولبيت دعوة كريمة للدكتور عمر شعلال رئيس الاتحاد الوطني للزوايا الجزائرية للمشاركة في ندوة عن التصوف من الشيخ عبد القادر الجيلاني إلى الأمير عبد القادر الجزائري في مدينة مستغانم وكانت كل هذه المحطات مناسبة زادتني تعلقا بالجزائر وشعبها وكان التتويج العلمي والروحي و الوجداني التلقائي في أدرار بزواياها و شيوخها و أهلها الكرام ممثلين في شخص الحاج بركة والزاوية البكرية.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.