مفاهيم إسلامية: أبناؤنا في الخارج رسل للأمة ودينها

مفاهيم إسلامية: أبناؤنا في الخارج رسل للأمة ودينها


من منا الذي لا يقدر الدور العظيم الذي أنيط بعهدة إخواننا المغتربين من اجل العمل في المهجر ومن هو الذي لا يكبر عصاميتهم ونضالهم إنهم لمناضلون حقا بالمعنى الصحيح ومجاهدون أبطال لأنهم آثروا أن يكونوا طلائع في عهد البناء مثلما كانوا أو كان إخوانهم طلائع في عهد الكفاح من اجل تحرير الوطن، لقد آثروا أن ينزحوا عن أوطانهم ومساقط رؤوسهم في سبيل العمل من اجل العيش إلى بلدان لا يعرفون أخلاق أهلها ولا عوائدهم ولا لغات التخاطب بينهم اثروا كل ذلك عن حياة القعود والبطالة أو عن إقلاق حكوماتهم بالطلبات والتذمرات فنفروا خفافا وثقالا ومضوا في غاياتهم بدون تردد ولا غرو فهم لهم أهل يحنون إلى لقائهم ولهم أبناء يتمنون أن يشرفوا على نشئتهم لهم مآرب ومآرب لهم حنين إلى مسارح الطفولة والى نسيم بلدانهم وهوائها ومائها ولا يلومهم احد في ذلك فهم مسبوقون لمن قال: وحبب أوطان الرجـال إليهم * مآرب قضاها الشباب هنالك إذا ذكـروا أوطانهم ذكرتهم * عهود الصبا يوما فحنوا لذلك بيد أنهم استهانوا بكل هذه العواطف وعلموا أن الواجب الوطني والواجب الديني والعائلي والشخصي كلها تقتضيهم أن يشمروا عن السواعد وان يكونوا رجالا بالمعنى الأتم لا يدب اليهم الخور ولا يستفزهم الضعف ولا يقعد بهم الجبن عن الصبر والمصابرة وعن مقاومة التخلف في اجلي مضهر من مضاهره وهو الفقر، الفقر الذي كاد أن يكون كفرا والذي يحاول أن يذل رقاب الأحرار فيصيرهم عبيدا رغم أنوفهم، هذه الاعتبارات لا أخالها تغرب عن ذهن أحد أو تخفى على ذي بصيرة حادة لكن لهذه الاعتبارات أبعادها وانعكاساتها التي قد تخفى عن العمال أنفسهم إذ كثيرا ما يمشي الإنسان في أول الأمر مع نهج قويم وطريق مستقيم ثم ينسى بعد حين ما اعتزم عليه وما ابتدأ السير فيه فإذا به يتعثر وهو المشمر ويتردد وهو المصمم بل قد ينكص على عقبيه ويسير في غير اتجاهه الأول ويحقق عكس ما كان يعتزم تحقيقه في البداية وهذا أمر كثير الشيوع والذيوع في دنيا الأفراد والجماعات، وإننا إذا ما أردنا أن ننظر إليه في حياة إخواننا العملة أنفسهم فقد نجد من بينهم من نسي انه مجند لمقاومة التخلف وانه مهاجر من اجل القضاء على الفقر فإذا به يضيف إلى تخلفه تخلفا جديدا، ويكون لدنانيره مسارب للخروج والطيران لم تكن قبل موجودة عنده، لقد كان من المفروض عليه أن يثابر للتحصيل على أمرين هامين للغاية أولهما أن يجلب لبلاده عملة أجنبية صعبة تفيده وتفيد بلاده وثانيهما أن يتمرس على أنواع العمل المفيد وان يجاهد ليكتسب صناعة تقيه الحاجة وتضمن له الاستقرار وهناء العيش فيكون بذلك قد سافر عاملا ومتعلما في آن واحد وعاد عالما وعنيا في نفس الآن وبذلك يمكنه أن يصعد عن جدارة إلى مقامات أولى الشأن والاعتبار، لقد ساقه حسن حظه إلى الذهاب إلى بلدان قفزت في ميادين العلم والحضارة إلى القمة واستطاعت أن تسخر الطبيعة لإرادتها وتتحكم فيها كما شاء لها الإله سبحانه وتعالى وان احتكاكه بأولئك الناس وتعامله معهم ليفرضان عليه أن يأخذ عنهم لا الصناعة والمال فقط بل أن يأخذ عنهم كل عمل مفيد وكل سلوك حميد، لقد رأى بعينيه أنهم يزهدون تمام الزهد في المظاهر الشكلية والأبهة الفارغة إذا لم يكن ذلك في نطاق الأمة ولقد شاهد الموسرين منهم يعطون أروع الأمثلة في التقشف ولا يسمحون لأنفسهم بالراحة أكثر من شهر في السنة بحيث تكون بقية الشهور كلها للتوفير ولا يمكن أن يستهلك ذلك الشهر جميع ما وفر بقية الأشهر، لقد رأينا ورأوا أطعمتهم وموائدهم وهل كانت تلك الأطعمة المفرطة في الدسامة التي لا تجلب إلا الكضة وتبلدا لعقول، رأينا ورأوا وسمعنا وسمعوا فمن الحكمة أن ننتفع بجميع ما نرى ونسمع من الخير ومن العجيب أن يقضي العامل في الاغتراب عن أهله السنوات الطوال ويقبض بيده الملايين ثم نراه لم يتغير عن حالته الأولى إلا بشيء من الأناقة وتحسين الهندام أما ما عدا ذلك فدار لقمان على حالها لو عاقته عوائق عن الرجوع إلى عمله بأوروبا لبقي خالي الوطاب فارغ الكف عاطل اليدين، يقاسي مرارة الفطام عما تعوده عن سرف وتبذير في الملبس والمأكل والمشرب، إن عليه لو كان من العقلاء أن يغتنم شبابه قبل هرمه وغناه قبل فقره وصحته قبل سقمه وحياته قبل موته فيحقق بذلك لنفسه السعادة الشخصية، ويسهم بقدر لا يستهان به في إسعاد غيره من أبناء أمته ويشارك في ازدهار بلاده وتنميتها، ثم هو قبل كل هذا وبعده رسول لامته بين قوم لا يعرفون عنها شيئا إلا بالسماع الذي يكون غالبا تشويها وتزويرا للحقائق، وما آفة الأخبار إلا رواتها، فبقدر ما يلاحظ عليه هو من استقامة ونزاهة وإخلاص بقدر ما ينظر إلى أمته وقومه ودينه بالإكبار والإجلال، وبقدر ما يرى عليه لا قدر الله من انحرافات وزيغ وفساد بقدر ما تحتقر أمته ومثله ودينه ونظامه، فهل قدر إخواننا من العملة في المهجر هذه الحقائق حق تقديرها فكانوا من نزواتهم وشهواتهم بالمرصاد؟ وسارع الرشداء منهم إلى تنبيه من زلت به القدم أو إلى إيقافه عند حده إن أبى إلا المضي في انحرافاته وفساده، إنهم بهذا لا يخدمون مصلحتهم فقط بل يخدمون مصلحة دينهم ووطنهم ويكتسبون رضى ربهم ورضى الناس أجمعين، وكل هذا على أولي العزائم ليس بالأمر العسير، والله الهادي إلى سواء السبيل.

الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.