مفاهيم إسلامية: في التصدي لمخاطر الغزو الفكري وطمس الهوية

مفاهيم إسلامية: في التصدي لمخاطر الغزو الفكري وطمس الهوية


ما خرج الاستعمار من بلد إلا خلف وراءه تركات ثقيلة تصعب تصفيتها بالسرعة التي صفى بها الاستعمار ذاته، ذلك أن الروح النضالية والعزيمة الثورية التين كان يغذيها الإيمان وينفخ في جمرها خوف الذوبان يمكن أن تبقيا على نفس المستوى الأول من حدة الحماس ودوام اليقظة ومراقبة النفس لان الخطر المباشر المنظور قد تقلص ظله وابتعدت أشباحه المخيفة، وبهذا التقلص وذلك الابتعاد ينقص تقدير الناس له بل وقد يخيل للكثير منهم انه قد أدى رسالته في الحياة وساهم في تطهير البلاد من مغتصبي مجدها وخيراتها فعليه إذن أن يحمل شارة البطولة فوق صدره وان يتنعم ما طاب له التنعم، وهذا التخيل السخيف من سوء الحظ لا يسلم منه إلا أهل الحصافة والتفكير البعيد والإيمان القويم وقليل ماهم وانه لجزء من تلك التركات الثقيلة التي أصاب شرها الأنفس والعقول، وهي اخطر من كل من سواها لأنها كالشرك الحفي الذي ينخر إيمان صاحبه من غير أن يشعر بخطره أو يقدر عواقبه: كذلك هذا النوع من المخلف الذي هو الواقع مخلف الاستعمار وما قبل الاستعمار من عهود الانحطاط التي حولت مفاهيم القيم الصحيحة وعطلت رسالات العلم والعقل والوجدان فانه يحدث تخديرا عاما يجعل المصاب به يحسب انه معافى من كل علة وسالم من كل انجراف حتى في نفس الحالات التي يمارس فيها أعمالا تناقض مبادئه التي آمن بها ونادى باحترامها ودافع في سبيل انتصارها بالنفس والنفيس. لست ادري ماذا اسمي هذه الظاهرة العجيبة والى أي سبب أرجعها إن لم اسمها مخلفا وارجع سببها إلى ما ورثناه عن آبائنا الأدنيين والى ما قذفه المستعمر في نفوسنا من مخدرات وأمراض اجتماعية وإنني لعلى يقين من أن دهاقنة الاستعمار الذين خططوا لبرامجه الجهنمية قد جعلوا ضمن حساباتهم المضبوطة ودراساتهم النفسية والاجتماعية مسالة القتل المعنوي الذي هو اغتيال بطيء ومستور فوق كل مسالة أخرى وقبل أي إجراء وهذه العملية الخطيرة يستوجب تحقيقها مراحل زمنية لابد من اجتيازها مرحلة مرحلة، ولا يمكن التداخل ولا التزاوج بين كل مرحلة وأخرى وإلا فسد العمل ووقع الافتضاح، ولقد كان نجاح هذه المخططات يختلف من بلد إلى آخر فلقد ينجح هناك بنسبة تسعين بالمائة وينجح هنا بنسبة ستين فقط ويلزم لإنجاحه في بلد ما مائة سنة ويكفي في بلد آخر نصف القرن مثلا الممهم انه اصطبغ في كثير من بلدان العالم بصبغة الحملة الصليبية المقنعة وتشكل فيها وفي بلدان أخرى غيرها بأشكال الغزو الثقافي أو التمديني ليعطي لعمله الشرعية الإنسانية وانطلت تلك الحيل الشيطانية على كثير من الشعوب والأشخاص فاخذوا جميع ما قدم إليهم من غير اختبار وتمحيص، فإذا بالغث يغمر السمين وإذا بالسم يتغلب على الدسم وفي سرعة مدهشة يخدم أعداء الاستعمار الألد عن غير قصد مصالح الاستعمار وأهدافه من حيث لا يشعرون. قلت آنفا إنهم استعملوا الغزو الثقافي والتمدني وسيلة من وسائلهم التي تحقق أغراضهم البعيدة ولست اعني التنفير من ثقافتهم ومدنيتهم اللتين هما الماء والهواء بالنسبة للعصر الذي نعيشه لأنني من الذين يتحمسون لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من تعلم لغة قوم آمن شرهم) وافهم ضمنيا من الحديث وانه عني اكتساب خيرهم أيضا واعتقد أن تعلم لغات العلم والصناعة جهاد في سبيل الخير والكمال ولو تمالأ الناس على إهماله لأثموا جميعا لأنهم تركوا فرضا كفائيا يتحتم القيام به على الشياع بيد أني احذر مما قد يندس وراء هذه الحقيقة من زيف يخرجها عن أصلها الصحيح وذلك ما يقصده الاستعمار وقد سلمنا بأن له أغراضا مبيته وأهدافا بعيدة لأنه قد يأتي من وراء هذه الحقيقة خطران اثنان لهما من التأثير البعيد والقريب مالا يعرف له مدى ولا يحصر له ضرر الخطر الأول التزهيد في كل ما هو محلي وقومي مما يمت إلى قيم الشعب وتراثه وأصالته، هذه الأشياء التي حاول الاستعمار جهد طاقته أن يحول الأنظار عنها أو ينقص على الأقل من تأثيرها، ولكن جهوده باءت بالفشل فاستعملت تلك الأشياء ذاتها أسلحة فتاكة لمقاومته والانتصار عليه. والخطر الثاني الافتتان بكل ما هو منسوب للغة الأقوياء وعلومهم وحضارتهم وفنونهم وثقافتهم باعتبار أنهم هم الناس وهم الأحياء وهم الأقوياء، أما غيرهم فليست له قيمة في الوجود وكل ما يأتي منه أو ينسب إليه فهراء وفراغ ومضيعة للوقت وللجهود!! هذا هو الافتتان والسحر. إن لكل شيء في الدنيا جوهرا وعرضا. وان لأية ثقافة ولاية لغة ولأي علم جوانب ايجابية وجوانب سلبية ثم إن الجوانب الايجابية منها السليم المأمون العاقبة ومنها التخريبي الذي يكاد يتمحض للشر فما أجدر العقلاء بأن يقلبوا جميع الأشياء عن ظواهرها وبواطنها وان يحتفظوا بكل قوي أصيل. وان يكون أيضا فوق الاحتفاظ به محرزا على الإلية الأصيلة أو النسبية حسب المقامات والظروف وفي نفس الآن يأخذوا من الأقوياء أسباب قوتهم الحقيقية من غير ذوبان فيهم وافتتان بهم حتى لا يعيشوا ألوانا من الذبذبة الفكرية والروحية اقل ما تحدثه من انعكاسات ذهاب الأصالة وتوزع العواطف والآراء وانعدم المثل الأعلى الذي يكون نقطة الاتصال والانطلاق إلى غير هذه وتلك مما ينزه العقلاء المخلصون أنفسهم وأممهم من الوقوع فيها لأنها الطامة الكبرى والبلاء المخيف.

الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.